الشيخ عبد الغني النابلسي

362

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

واحدة باعتبار صدوره عن الوجود المطلق فإنه واحد أحد ، وهو بهذا الوصف في كل فرد من أجزاء العالم . وقد كان ، أي العالم قبل أن تظهر كثرته المختلفة للحس والعقل والوهم أحديّ العين ، أي عينه واحدة كقول من قال : لا يصدر عن الواحد إلا الواحد وكان الأمر كذلك ، وقد صدر عن الواحد واحد ولكن من غير لزوم عليه لأنه يمكن صدور الكثرة عن الواحد ابتداء عندنا لأمر يقتضيه وسع الواجب وعدم القيد فيه لإطلاقه الحقيقي من حيث ذاته ، أي العالم يعني مادته الأصلية التي تفرعت أصوله وأركانه منها كالجوهر الفرد الهيولاني أحديّ العين من حيث ذاته المسمى بنور محمد صلى اللّه عليه وسلم باعتبار كما ورد في مسند عبد الرزاق بسنده عن جابر ، قال : يا رسول اللّه أخبرني عن أوّل شيء خلقه اللّه تعالى قبل الأشياء . قال صلى اللّه عليه وسلم : « يا جابر إن اللّه خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره » إلى آخر الحديث « 1 » ويسمى بالقلم الأعلى أيضا باعتبار كما صح في الحديث : « أوّل ما خلق اللّه القلم » « 2 » . ويسمى بالعقل كما ورد « أوّل ما خلق اللّه العقل الحديث » « 3 » . وللقوم فيه أسماء مختلفة منهم من يسميه الجوهر الهيولاني ، ومنهم من يسميه المادة الأولى ، ومنهم من يسميه العلم الأوّل ، ومنهم من يسميه المرآة الحق والحقيقة ، ومنهم من يسميه المفيض ، ومنهم من يسميه مركز الدائرة ، وغير ذلك مما يطول ذكره كثير كثرة مختلفة بالصور الظاهرة فيه حسا وعقلا ووهما الذي نعت للصور هو ، أي ذلك الجوهر الهيولاني حامل لها ، أي لتلك الصور بذاته ، أي بسبب كون ذاته عين كل صورة مع زيادة تشخص تلك الصورة . كذلك أي نظير ذلك الحق تعالى بما ، أي بسبب الذي ظهر منه تعالى من صور التجلي الإلهي والانكشاف الرباني فإنه تعالى واحد بذاته كثير بصور تجلياته التي هي مقتضى كثرة أسمائه وصفاته فكان ، أي الحق تعالى مجلى ، أي موضع انجلاء ظهور وانكشاف صور العالم كلها لها بحيث يرى بعضها بعضا فيه تعالى كالمرآة يرى الإنسان نفسه فيها من غير أن يحل فيها شيء منه ولا يحل فيه شيء منها ولا يتحد كذلك مع ثبوت الأحدية للحق تعالى المعقولة بحيث يؤمن بها العقل غيبا في حال شهوده كثرتها . * * *

--> ( 1 و 2 و 3 ) هذا الحديث سبق تخريجه .